الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
52
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المتتابعة بكلمة قُلِ فأمر بالقول تجديدا لمعنى التبليغ الذي هو مهمة كل القرآن . والأمر في قوله : ادْعُوا مستعمل في التخطئة والتوبيخ ، أي استمروا على دعائكم . و الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ معناه زعمتموهم أربابا ، فحذف مفعولا الزعم : أما الأول فحذف لأنه ضمير متصل منصوب بفعل قصدا لتخفيف الصلة بمتعلقاتها ، وأما الثاني فحذفه لدلالة صفته عليه وهي مِنْ دُونِ اللَّهِ . و مِنْ دُونِ اللَّهِ صفة لمحذوف تقديره : زعمتم أولياء . ومعنى مِنْ دُونِ اللَّهِ أنهم مبتدءون من جانب غير جانب اللّه ، أي زعمتموهم آلهة مبتدءين إياهم من ناحية غير اللّه لأنهم حين يعبدونهم قد شغلوا بعبادتهم ففرطوا في عبادة اللّه المستحق للعبادة وتجاوزوا حق إلهيته في أحوال كثيرة وأوقات وفيرة . وجملة لا يَمْلِكُونَ مبينة لما في جملة ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ من التخطئة . وقد نفي عنهم ملك أحقر الأشياء وهو ما يساوي ذرّة من السماء والأرض . والذّرة : بيضة النمل التي تبدو حبيبة صغيرة بيضاء ، وتقدم عند قوله تعالى : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ في سورة يونس [ 61 ] . والمراد بالسماوات والأرض جوهرهما وعينهما لا ما تشتملان عليه من الموجودات لأن جوهرهما لا يدّعي المشركون فيه ملكا لآلهتهم ، فالمثقال : إما آلة الثقل فهو اسم للصنوج التي يوزن بها فأطلق على العديل مجازا مرسلا ، وإما مصدر ميمي سمي به الشيء الذي به التثقيل ثم أطلق على العديل مجازا ، وتقدم المثقال عند قوله : وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ في سورة الأنبياء [ 47 ] . ومثقال الذرة : ما يعدل الذرة فيثقل به الميزان ، أي لا يملكون شيئا من السماوات ولا في الأرض . وإعادة حرف النفي تأكيد له للاهتمام به . وقد نفى أن يكون لآلهتهم ملك مستقل ، وأتبع بنفي أن يكون لهم شرك في شيء من السماء والأرض ، أي شرك مع اللّه كما هو السياق فلم يذكر متعلق الشرك إيجازا لأنه محل الوفاق . ثم نفى أن يكون منهم ظهير ، أي معين للّه تعالى . وتقدم الظهير في قوله تعالى :